محمد بن عبد الملك الشنتريني الأندلسي ( ابن السراج )
764
جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب
الباب الأول : في فضيلة النّشر وتمييزه على الشّعر اعلم أنّ المنثور أعمّ نفعا ، وأتمّ معنى ، وأمكن لفظا ، وأبعد تكلّفا ، وأوسع تصرّفا ، وأربابه أجلّ قدرا ، وأنفذ أمرا ، وأنزه نفسا ، وأنبه ذكرا ؛ لأنّ منهم العلماء والوزراء ، وبأقلامهم تتصرّف الأمراء ، وقد اختاره اللّه تعالى لكتابه المنزل ، ونزّه عن الشّعر نبيّه المرسل ، وما من معنى يراد إفهامه ، إلّا ويحسن فيه النّثر ؛ وليس كذلك الشّعر ؛ لأنّه لا يحسن في الخطب ، ولا في مكاتبة الخلفاء ، وكذلك كلّ ما يراد إفهام العوام ، واستيعاب الأحكام ، والعلوم والتّواريخ ، وشرح القصاص ، وكتب الفتوحات ، وما شاكل ذلك ممّا يضيق عنه الشّعر ، ولا يتّسع له إلّا النّثر ؛ لأنّ الشاعر ، قد قيّد نفسه ، ومنعها من التّصرّف ، والتزم ما يحوجه إلى التّكلف ؛ غير أنّه لمّا كان ذلك لغرض صحيح ، وهو تحسين الوزن عند إسماعه وارتياع النّفوس لسماعه ، صار الشّاعر بذلك معذورا ؛ فأبيح له بعض ما كان محظورا « 1 » ، ولمّا عدم في المسجوع ما ذكرناه من « 2 » تحسين الوزن ، لم يعذر السّاجع بالتزامه ، وكان كسائر المنثور في معظم أحكامه . وقد عابه بعض النّاس ، ولعله إنّما عاب منه المتكلّف ، وإلّا فتفضيله أولى ، لكثرة « 3 » ما جاء منه في كتاب اللّه وفي حديث رسول اللّه صلّى اللّه / عليه وسلّم وكلام
--> ( 1 ) بالمخطوط : « محصورا » تحريف . ( 2 ) في المخطوط : « أمن » خطأ . ( 3 ) بالمخطوط : « لكثر » .